عندما يتحول الطموح إلى سباق مع الذات
التصنيف: مقالات
التاريخ: 23 ديسمبر 2025
عدد المشاهدات: 411
← العودة للمشاركات

في مرحلة ما من الحياة، لا يأتي الإرهاق من كثرة العمل وحده، بل من ذلك الإحساس الخفي بأن الزمن يركض أمامك، وأنك ان هدأت قليلا ستخسر شيئًا لا تعرف ماهو بالضبط!

تعيش وكأنك في سباق دائم.. سباق مع العمر، مع الفرص، مع التوقعات، ومع نسخة مستقبلية منك لا تكف عن المطالبة بالمزيد.

قبل أكثر من عشر سنوات، كنت أجلس في جلسة كوتشينغ أتحدث بحماس متسارع. أعدّد الخطوات القادمة، وما يجب إنجازه الآن، وما لا يجوز أن يتأخر، وكأن كل شيء في حياتي مرتبط بساعة لا ترحم. كنت أتكلم بسرعة تشبه السرعة التي أعيش بها. عندها قاطعني الكوتش بهدوء غير متوقع، بلا توبيخ ولا قسوة، فقط وضوح صادق، وقال:

“Hold your horses, Shaima…

You are not racing with anyone but yourself.”

توقفت.. 

ليس لأن الجملة كانت جديدة! بل لأنها أصابت شئ عميقًا في داخلي.

لم أسمعها كأمر بالتوقف، بل كدعوة للانتباه.

كأنها كانت تقول لي: تمهلي… ليس لأن الطريق يطلب ذلك، بل لأنك لم تسألي نفسك لماذا تسرعين وأين تتوجهين؟

أما الجزء الثاني من الجملة، فكان الأصدق والأقسى في الوقت نفسه.

أنتِ لا تتسابقين مع أحد. لا مع العالم، ولا مع الزمن، ولا مع الفرص. أنتِ فقط تضعين نفسك في سباق مع ذاتك.. وتطالبينها بأن تكون أسرع مما تحتمل، وأقوى مما تحتاج، وأكثر مما هي عليه الآن! 

في تلك اللحظة فقط .. أدركت أن كثيرًا مما كنت أظنه طموحًا كان في حقيقته استعجال غير مبرر . وأن جزءاً كبيرًا من الضغط لم يكن مفروضاً علي، بل كنت أنا من يصنعه. كنت أركض لا لأن الطريق يتطلب الركض، بل لأنني لم أسمح لنفسي يومًا أن تمشي بهدوء.

كثير من الاحتراق العاطفي والمهني يولد من هذا السباق الداخلي الصامت. من الإحساس الدائم بأنك متأخر حتى وأنت تتقدم، ومن محاولة إثبات القيمة دون توقف، ومن الخوف أن تتجاوزك الحياة. نركض خلف إنجازاتنا وكأنها ستنقذنا من شعور ما !

ثم نكتشف أننا كلما وصلنا، طلبنا من أنفسنا أن نركض أكثر.

نحوّل الطموح، دون أن نشعر إلى مطاردة مرهقة. وننسى أن الطموح في جوهره لم يكن في يوما ما سباق، بل رحلة تحتاج وعيًا بالوتيرة، وانسجاما مع الطاقة وتماشياً مع الأهداف ورحمة بالنفس. ننسى أن التوقف أحيانًا ليس انسحاب، بل إعادة ضبط وأن البطء ليس فشل، بل استجابة لما نمر به.

ربما أكثر ما يحتاجه الإنسان في لحظات الاحتراق هو أن يسمع ذاته بصدق وهدوء:

أنت لا تتسابق مع أحد…

أنت تسير في طريقك، وقد تتوقف، وقد تعيد الحسابات، وقد تغيّر الاتجاه، وكل ذلك لا ينقص منك شيئًا.

وحين نتوقف عن الركض بلا وعي، لا نخسر الزمن، بل نستعيد أنفسنا.

وحين نختار أن نعيش على وتيرتنا، لا نبتعد عن النجاح، بل نقترب من السلام.

وربما هذا وحده كاف لنكمل الطريق… دون أن نحترق في منتصف الطريق ..

← العودة للمشاركات