على متن طائرة،
رحلة هادئة، مقعد بجانب النافذة، وضوء خافت..
شاشة صغيرة أمامي، مسلسل أتابعه بلا تركيز كبير…
إلى أن جاءت تلك العبارة.
“أصعب شيء ممكن تسويه في حياتك
هو مسامحتك لنفسك،
وليس مسامحتك للآخرين.”

توقفت.
أعدت المشهد، ثم أعدته مرة أخرى.
لم تكن جملة عابرة!! شعرت بانها كانت موجعة لي ..
في تلك اللحظة، على ارتفاع آلاف الأقدام،
حيث لا مهرب من التفكير.
قضيت بقية الرحلة أفكر: كم مرة سامحت الآخرين بسهولة؟
وكم مرة وقفت قاسية أمام نفسي؟
نحن نُجيد تفهّم الناس معظم الوقت ..
نبحث لهم عن الأعذار:
كان تحت ضغط،
لم يكن يقصد،
كان يمر بمرحلة صعبة.
لكن حين نأتي لأنفسنا؟
لا أعذار.
لا سياق.
لا رحمة.
لا أحد يتهمك…لكنك تفعل!
هو صوتك الداخلي،
ذلك الذي لا يرفع صوته، لكنه لا يصمت.
لا أحد يحاسبك…لكن المحكمة قائمة في داخلك!
قاضٍ لا ينسى،
وملفّات مفتوحة لكل هفوة،
وأحكام تُصدر بلا دفاع،
ولا استئناف.
تعرف تفاصيلك أكثر من أي أحد،
وتعرف أين تؤلمك الكلمات،فتختارها بدقة.
نحاكم أنفسنا وكأننا كان يجب أن نعرف كل شيء،
أن نتصرف دائمًا بالشكل الصحيح،
أن نكون حاضرين، متّزنين، أقوياء… والاهم بلا تعب او شكوى!
وإن أخطأنا؟
نُعيد الخطأ ألف مرة في رؤوسنا،
ونجلد نسخة قديمة منا،
ونسألها: لماذا لم نكن أفضل؟
هناك، في تلك الرحلة، أدركت أن المشكلة ليست في الخطأ،
او التقصير بل في استمرار العقوبة.
مسامحة الذات لا تعني نسيان ما حدث،ولا تعني تبرير كل شيء،بل تعني أن نعترف بأننا كنا نتصرف بما كنا نعرفه حينها،
وبما تسمح به طاقتنا في تلك المرحلة.
أن نكون نسخًا أكثر مسامحة لذواتنا يبدأ من أشياء بسيطة:
أن نغيّر طريقة حديثنا مع أنفسنا..
أن نسأل: ماذا كنت أحتاج وقتها؟
بدل: لماذا فعلت ذلك؟
أن نفصل بين الخطأ وقيمتنا كإنسان،وأن نتوقف عن مطالبة أنفسنا بالكمال في كل دور… وكل وقت.
حين نخفف القسوة، لا نصبح أضعف، بل أصدق. وأهدأ. وأقرب للسلام.
ربما لن تكون مسامحة الذات سهلة، لكنها الطريق الوحيد الذي لا يمكن تجاوزه إن أردنا أن نمضي فعلًا..
ها نحن على وشك هبوط الطائرة .. واخر فكرة استقرت لدي هي ان نخفف نبرة جلد الذات لذواتنا ، وان تستقر الرحمة والأعذار لأنفسنا كما هي مع الآخرين.