أحيانا أتساءل، كم من الأشياء التي أثقلت أيامنا كانت تستحق فعلاً كل ذلك الاهتمام؟
كم مرة سمحنا لكلمة عابرة أن تفسد مزاجنا، أو لتفصيل صغير أن يسرق فرحتنا، أو لموقف لا يتجاوز دقائق أن يشغل تفكيرنا أياماً؟

والغريب أننا قد نعيش يوماً جميلاً بكل تفاصيله، ثم نختصره في شيء واحد لم يعجبنا.
وقد نحقق الكثير، لكن أعيننا لا ترى إلا ما لم يكتمل.
وكأننا نملك قدرة عجيبة على تكبير ما ينقص، وتصغير ما يستحق أن نفرح به.
وربما لا ندرك أننا أحيانا نصعب الحياة على أنفسنا أكثر مما تصعبها علينا الظروف.
نريد أن يكون كل شيء مثالياً، وأن تسير الأمور كما نتوقع، وأن يفهمنا الجميع، وأن نكون على حق في كل نقاش، فنستهلك وقتنا ومشاعرنا في تفاصيل لا تغير شيئا حقيقياً في حياتنا.
لكن ما يستحق التأمل أكثر، ليس فقط ما تسببه هذه التفاصيل من انزعاج، بل ما تسرقه منا دون أن نشعر!
فكم من فكرة جميلة أجلناها لأننا انشغلنا بأمر هامشي؟ وكم من هدف ابتعدنا عنه لأن انتباهنا تشتت في اتجاهات لا تعنينا؟ وكم مرة سمحنا لضوضاء الخارج أن تعلو على ذلك الصوت الهادئ في داخلنا، الذي يعرف ما نريد وما يستحق أن نسعى إليه؟
فليست كل ضوضاء تستحق أن نصغي إليها، وليس كل ما يلفت انتباهنا يستحق أن يأخذ من حياتنا.
أحيانا ننشغل كثيراً بما يقوله الآخرون، وبما يحدث حولنا، وبأمور لا نملك تغييرها، حتى نفقد وضوح ما نريده نحن!
نمنح الهامش مساحة النص الأساسي، ثم نتساءل لماذا نشعر بالتشتت، ولماذا لا نجد الوقت لما نحب وما نطمح إليه.
ولعل النضج ليس في قدرتنا على التعامل مع كل شيء!
بل في قدرتنا على التمييز بين ما يستحق اهتمامنا وما يستحق أن نتركه يمضي.
أن نتقبل أن بعض الأمور لن تكتمل كما نريد..
وأن بعض الاختلافات لا تحتاج إلى حسم..
وأن بعض الكلمات لا تستحق رداً..
وأن بعض التفاصيل لا تستحق أن نخسر من أجلها سلامنا أو تركيزنا!
فليس المطلوب أن نتوقف عن الاهتمام!
بل أن نحسن اختيار ما نهتم به..
ربما لا نحتاج إلى أن تصبح الحياة أسهل..
بل إلى أن نتوقف عن جعلها أصعب مما هي عليه.
أن نمنح الصغير حجمه، والعابر وقته، والمهم مكانته. وأن نتذكر أن طاقتنا محدودة، وأن كل ما نمنحه اهتمامنا يأخذ بالضرورة مساحة من شيء آخر ربما كان أجدر به.
وفي النهاية..
قد لا تكون الخفة في أن تخلو أيامنا من المسؤوليات أو المنغصات..
بل في ألا نحمل معها ما لا يستحق، وألا نسمح لضجيج التفاصيل أن يبعدنا عن المعنى الأكبر لحياتنا.
فالحياة أقصر من أن ننشغل بكل ما يحدث فيها..
وأجمل من أن نختصرها فيما يزعجنا!
وربما كل ما نحتاجه أحياناً، أن نخفض صوت ما حولنا قليلاً، لنسمع بوضوح الصوت الذي بداخلنا.