وطن يسكننا ونسكنه
التصنيف: مقالات
التاريخ: 20 أكتوبر 2026
عدد المشاهدات: 240
← العودة للمشاركات

هناك مشاعر يصعب اختصارها في كلمات، لأنها أكبر من أن توصف، وأعمق من أن تحكى. ومهما حاولنا التعبير عنها، تبقى في القلب مساحة لا تصل إليها اللغة.

هكذا هو الوطن..

ليس مجرد أرض نعيش عليها، ولا عنوان نحمله في وثائقنا، ولا مكان نعود إليه بعد سفر طويل. الوطن شعور خفي بالطمأنينة، يسكن تفاصيل أيامنا، حتى إننا أحيانا لا ننتبه إلى عظمته، لأننا اعتدنا نعمة وجوده.

هو أن نغادر منازلنا ونحن مطمئنون، وأن نعود إليها ونحن آمنون. أن نخطط للغد دون أن نخشى المجهول، وأن نحلم بمستقبل أبنائنا ونحن نؤمن بأن أمامهم فرصا تستحق أن يسعوا إليها.

هو تلك الراحة التي لا نحتاج إلى تفسيرها، وذلك الشعور العميق بأن لنا مكانا ننتمي إليه، ويحتوينا مهما اتسعت بنا الحياة.

في المملكة العربية السعودية، لا نشعر فقط بأننا نسكن وطنا، بل نشعر أن هذا الوطن يسكن فينا.

يسكن في لهجتنا، وفي دعوات أمهاتنا، وفي ضحكات أطفالنا، وفي تفاصيل بيوتنا، وفي تلك اللحظة التي نعود فيها من سفر، فنشعر أن شيئا في داخلنا قد عاد إلى مكانه الصحيح.

وكلما تأملت معنى الأمان، أدركت أنه ليس مجرد غياب للخوف، بل حضور للطمأنينة.

أن تستيقظ وفي قلبك مساحة للأمل، وأن تنشغل بأحلامك بدلا من انشغالك بمخاوفك، وأن تجد في الاستقرار فرصة لتتعلم، وتعمل، وتجرب، وتخطئ، ثم تنهض من جديد.

ومن هنا، أجد رابطا عميقا بين الوطن ورحلة الإنسان نحو ذاته.

فنحن في رحلة الحياة نبحث كثيرا عن الأمان الداخلي، عن ذلك الشعور الذي يجعلنا أكثر ثقة بأنفسنا، وأكثر قدرة على اتخاذ قراراتنا، وأكثر شجاعة في مواجهة ما لا نعرفه.

لكننا ننسى أحيانا أن جزءا كبيرا من قدرتنا على النمو يبدأ من البيئة التي تحتضننا.

فالأمان لا يجعلنا نتوقف عند ما نحن عليه، بل يمنحنا الشجاعة لنصبح ما نستطيع أن نكونه.

وحين يشعر الإنسان بأنه آمن، تتسع مساحة أحلامه. وحين يشعر بأنه ينتمي، يصبح أكثر قدرة على العطاء. وحين يدرك أن له جذورا ثابتة، لا يعود خائفا من أن تمتد أغصانه بعيدا.

وهذا ما يجعلني أنظر إلى الامتنان للوطن من زاوية مختلفة.

فالامتنان الحقيقي لا يقف عند الشعور، بل يمتد إلى الأثر.

أن نكون أفضل فيما نعمل، وأكثر صدقا فيما نقدم، وأكثر وعيا بمسؤوليتنا تجاه أنفسنا ومن حولنا. أن نربي أبناءنا على أن ما نعيشه من أمان نعمة تستحق الشكر، وأن ما نحظى به من فرص مسؤولية تستحق العمل.

فالأمان الذي ورثناه نعمة، والأمان الذي نساهم في صناعته لمن بعدنا أمانة.

وأن نفهم أن حب الوطن لا يقاس فقط بما نقوله عنه، بل بما نضيفه إليه، ولو كان أثرا صغيرا في حياة إنسان.

فكل إنسان نساعده على اكتشاف قدراته، وكل حلم نسانده حتى يكبر، وكل فرصة نصنعها لغيرنا، هي في جوهرها صورة من صور رد الجميل لهذا الوطن.

ولعل أجمل ما في الانتماء أننا لا نكتفي بالشعور بأن الوطن يحتوينا! 

بل نحمل في داخلنا رغبة صادقة في أن نكون جديرين بهذا الاحتواء.

وكلما اتسعت أحلامنا، أدركنا أن هناك نعما تسبق كل إنجاز، وأن الأمان واحدة من أعظمها. 

اللهم أدم على المملكة العربية السعودية عزها وأمنها واستقرارها، واحفظ أرضها وقيادتها وأهلها، وأدم عليها الخير والرخاء والطمأنينة.

اللهم اجعلها دار أمن وسلام، واحفظ أبناءها وبناتها، وبارك في مستقبلها، وأدم علينا نعمة الانتماء إليها، ولا ترنا فيها بأسا يحزن قلوبنا.

اللهم كما جعلت لنا في هذا الوطن أمنا وسكنا.. أدم له العز، ولأرضه السلام، ولأهله الطمأنينة، واجعله دائما وطنا نسكنه ويسكننا

← العودة للمشاركات