قد تقضي سنوات من عمرك تنجح.. ثم تكتشف أنك نجحت في الشيء الخطأ..!
تصل إلى الهدف الذي انتظرته، تحصل على الترقية، الشهادة، الوظيفة أو المشروع الذي سعيت إليه طويلاً..
وفي غمرة سعادتك وتبريكات الكل لك، ورؤيتك لبعض الأعين التي تتمنى ان تكون مكانك.
هناك صوت صغير في داخلك يسأل:
ماذا بعد هذا؟
لماذا لم أشعر بما توقعت أن أشعر به؟
ليس لأنك لا تقدر ما لديك، ولا لأن ما حققته بلا قيمة، بل لأننا أحياناً ننجح في أشياء لم نسأل أنفسنا يوماً لماذا أردناها من الأساس.
كبرنا ونحن نحمل تعريفاً جاهزاً للنجاح، قبل أن نكتشف أن لكل منا تعريفه الخاص!
درجات أعلى، جامعة أفضل، وظيفة أقوى، منصب أكبر، دخل أكثر، منزل أجمل..
وكلما وصلنا إلى شيء، ظهر أمامنا الشيء التالي الذي «يفترض» أننا نريده.
حتى أصبحت حياتنا، دون أن نشعر، سلسلة طويلة من الـ«مفروض».
المفروض في هذا العمر أكون وصلت، والمفروض بعد هذه السنوات أترقى، والمفروض أملك، والمفروض أكبر، والمفروض أحقق أكثر!
لكن وسط كل هذه الأشياء التي يفترض أننا نريدها، ننسى سؤالاً بسيطاً:
هل أنا أريدها فعلاً؟
يقال إن «للنجاح أباء كثيرين، أما الفشل فيتيم».
لكنني أعتقد أن هناك نجاح يتيم أيضاً!
ذلك النجاح الذي صنعه الجميع في رأسك.. إلا أنت!
نجاح تعبت من أجله، لكنه لا يشبهك، ولا يعكس قيمك، ولا يجيب عن الـ«لماذا» الخاصة بك.
قد يكون له لقب جميل، ودخل مرتفع، وصورة رائعة أمام الآخرين..
لكن حين تنظر إليه، لا ترى نفسك فيه!
وربما لهذا نشعر أحياناً بالفشل رغم أننا، بمقاييس الآخرين، ناجحون جداً..
لأن السؤال ليس دائماً.. هل نجحت؟
بل: في ماذا نجحت؟ ولماذا أردت النجاح فيه؟
قد يكون النجاح بالنسبة لشخص أن يصل إلى أعلى منصب، وبالنسبة لآخر أن يمتلك وقتاً أكثر لأسرته.
قد يكون في بناء شركة كبيرة، أو في مشروع صغير يمنح صاحبه الحرية.
وقد يكون نجاحك اليوم مختلف تماماً عما كان يعنيه لك النجاح قبل عشر سنوات.
لا أحد أقل طموحاً من الآخر..
نحن فقط لا نريد الأشياء نفسها.
والحقيقة أن المشكلة تبدأ عندما ننسى ذلك، فنقارن أنفسنا بأشخاص لا يريدون ما نريده، ولا يعيشون حياتنا، ثم نشعر أننا تأخرنا لأنهم وصلوا إلى مكان لم نقرر بالأصل إن كنا نريد الوصول إليه.
لذلك، قبل أن تسأل نفسك عن هدفك القادم، اسأل نفسك :
لماذا أفعل ما أفعله الآن؟
لماذا أريد هذه الترقية؟ لماذا أريد المزيد من المال؟ لماذا أتمسك بهذا الطريق؟
هل لأنني أريده فعلاً؟
أم لأنني أحب الصورة التي سأبدو عليها عندما أصل؟
فالـ«لماذا» هي ما يعطي النجاح معناه.
لكن ماذا لو كانت إجابتك ببساطة:
لا أعرف ماذا أريد؟
لا بأس.
ربما لا تحتاج أن تبدأ بما تريد.. ابدأ بما لا تريد! نعم ما لا تريد!
مثل سؤال الاصدقاء او العائلة المعتاد: «وش تبون عشاء؟» فلا أحد يعرف وسط عشرات الخيارات، لكن بمجرد أن يقول أحدهم: «ما نبي بيتزا ولا برجر» تبدأ الدائرة تضيق. لم نعرف بعد ماذا نريد، لكننا عرفنا ماذا لا نريد!
وهكذا هي الحياة أحياناً كذلك.
قد لا تعرف الوظيفة التي تريدها، لكنك تعرف أنك لا تريد عملاً يستهلك حياتك!
قد لا تعرف أين تريد أن تكون بعد سنوات، لكنك تعرف أنك لا تريد أن تستيقظ كل صباح لحياة لا تشبهك.
فمعرفة ما لا تريد ليست ضياع… بل بداية لمعرفة ما تريد.
والآن..
فكر في أكثر شيء تسعى إليه هذه الأيام.
الشيء الذي يأخذ وقتك وطاقتك، والذي تقول لنفسك: سأكون سعيداً عندما أصل إليه.
واسأل نفسك بصدق:
لماذا أريده؟
ثم اسأل سؤالاً أصعب قليلاً:
لو لم يعرف أحد أنني حققته… هل سأظل أريده؟
لو لم يكن هناك تصفيق، ولا مقارنة، ولا أحد ينبهر بما وصلت إليه.. هل ستختاره؟
إذا كانت الإجابة نعم، فامض إليه بكل ما لديك.
وإذا ترددت، فلا تخف من إعادة التفكير.
فالتراجع عن هدف لا يشبهك ليس فشلاً، وتغيير تعريفك للنجاح لا يعني أنك أصبحت أقل طموحاً.
ربما يعني فقط أنك أصبحت أكثر صدقاً مع نفسك.
فالنجاح مفهوم شخصي، يتغير معنا، ومع أولوياتنا، ومع المراحل التي نمر بها.
لذلك لا تقض عمرك تجمع نجاحات تستطيع أن تشرح للناس قيمتها… ولا تعرف لماذا أردتها أنت.
ولا تجعل نجاحك القادم يتيماً!!
اجعله ينتمي إليك.
إلى قيمك، واختياراتك، وإلى الحياة التي تريد أنت أن تعيشها.
لأن النجاح الحقيقي ليس أن تصل إلى المكان الذي أخبروك أنه يستحق الوصول..
بل أن تعرف لماذا اخترت هذه الوجهة من الأساس!