الأمر أبسط مما نظن
التصنيف: مقالات
التاريخ: 26 أغسطس 2026
عدد المشاهدات: 790
← العودة للمشاركات

نحن لا نخسر بعضنا دائماً بسبب ما حدث.. أحياناً نخسر بعضنا بسبب حديث لم يحدث.

كم زوجة نامت وهي تشعر أن زوجها لم يعد يهتم، بينما كان يعتقد أنه يثبت لها حبه كل يوم بما يفعله؟

وكم أب شعر أن كل ما يقدمه لا يقدر! بينما أهل بيته يحبونه، لكنهم لم يعرفوا كيف تترجم هذه المشاعر له بالطريقة التي يفهمها؟

وكم صديق ابتعد لأنه ظن أنه لم يعد مهماً، بينما كان الطرف الآخر يعتقد أن سنوات الصداقة بينهما تغنيه عن أن يقول له: أنت مهم بالنسبة لي؟

مشاعر موجودة… لكنها لم تصل.

نغضب ولا نقول لماذا، نتغير وننتظر أن يلاحظ الآخر، نلمّح ونتوقع أن يفهم، وأحياناً نجيب بـ«ما في شيء» بينما في داخلنا حديث كامل نتمنى لو استطاع أن يسمعه دون أن نقوله.

ثم نستغرب لماذا أصبحت العلاقات معقدة.

لكن ماذا لو لم تكن العلاقات معقدة إلى هذا الحد؟

ماذا لو كان جزء كبير من المسافات التي تنشأ بيننا يبدأ من أشياء بسيطة جداً.. كلمة لم نقلها، سؤال لم نسأله، أو افتراض صدقناه قبل أن نتأكد منه؟

نقول كثيراً : «المفروض يعرف».

لكن الحقيقة أنه قد لا يعرف.

لا يعرف أن كلمته أوجعتك لأنك ابتسمت بعدها، ولا يعرف أنك تحتاج وجوده لأنك اعتدت أن تبدو قوياً، ولا يعرف أن صمتك عتاب، وأن ابتعادك انتظار، وأن خلف «أنا بخير» أشياء كثيرة ليست بخير..

هو فقط يعرف ما أخبرته به!

قرأت مرة معنى بقي عالقًا في ذهني:

"إذا لم أحبك بالطريقة التي تعرف بها الحب، فهذا لا يعني أنني لا أحبك."

وربما تختصر هذه العبارة الكثير مما يحدث بيننا.

فنحن نحب بطريقتنا، ونهتم بطريقتنا، ونعتذر بطريقتنا، ثم نتوقع أن تصل مشاعرنا إلى الآخر بالشكل نفسه الذي نشعر بها نحن.

لكنها أحياناً لا تصل.

ليس لأن الحب ناقص، ولا لأن الاهتمام غير موجود… بل لأن كل شخص كان يتحدث بلغة لم يفهمها الآخر.

وهنا يأتي التواصل.

ليس كمهارة معقدة تحتاج الكثير من القواعد، بل كقدر من النضج يجعلنا أكثر بساطة ووضوحاً مع بعضنا.

أن تقول «هذا التصرف أزعجني» بدل أن تتغير وتنتظر أن يكتشف الآخر السبب.

أن تقول «احتاج إهتمامك هذه الفترة» بدل «أنت ما تهتم فيني».

أن تقول «اشتقت لك» دون أن تحسب من بادر آخر مرة.

وأن تسأل «ماذا كنت تقصد؟» قبل أن تقضي ساعات تبني في عقلك قصة كاملة عن قصد قد لا يكون موجوداً أصلاً.

فحين تتحدث عن شعورك بدل أن تحكم على نية الآخر، أنت لا تخفف حدة الحديث فقط… بل تفتح أمامه مساحة ليفهمك بدل أن ينشغل بالدفاع عن نفسه.

لأن التواصل مسؤولية شخصين.

فكما يحتاج الحديث إلى نضج، يحتاج الاستماع إلى نضج أكبر.

حين يأتيك شخص ليخبرك أن تصرفاً منك أوجعه، ليس مطلوباً منك في اللحظة الأولى أن تثبت له أنك لم تقصد.

ربما لم تقصد فعلاً.

لكن قبل أن تشرح قصدك.. حاول أن تفهم أثره!

اسمعه دون أن تبحث أثناء حديثه عن إجابتك، ودون أن تحول كل ملاحظة إلى اتهام، وكل شعور إلى محاكمة لك.

فليس كل شعور يحتاج منا دفاعاً.. بعض المشاعر تحتاج منا أن نفهمها فقط.

يمكنك أن تقول: «أفهم لماذا شعرت بهذا» دون أن يعني ذلك أنك توافق على كل ما قاله.

ويمكنك أن تعترف بأثر تصرفك دون أن تعترف بنية لم تكن لديك.

فالفهم ليس إدانة! والإنصات ليس اعترافاً بالخطأ.

وأحياناً يخبرك الإنسان بما يزعجه لأنه يريد أن تبقى العلاقة، لا لأنه يبحث عن سبب لينهيها.

فلا تجعل صراحته معك شيئا يندم عليه!

لأننا حين نعاقب الناس على صراحتهم… نعلمهم الصمت معنا.

ومع الوقت نتعلم شيئا آخر لا يقل أهمية:

ليس المهم فقط أن تتحدث، بل أن تقول الشيء بالطريقة التي يستطيع الآخر أن يفهمها..

فنحن بلا شك مختلفون!

ما يبدو لك بسيط قد يكون حساس بالنسبة لغيرك، وما تعتبره أنت دليلاً واضحاً على محبتك قد لا يصل إليه بالطريقة نفسها، والكلمات التي تطمئنك قد لا تكون هي الكلمات التي يحتاجها الذي أمامك.

لذلك، لا يكفي أن تقول: «أنا شرحت».

اسأل نفسك: هل وصل ما أردت قوله فعلاً؟

واسأل الآخر : «ماذا فهمت مني؟»

واسأله قبل ذلك: «هل فهمتك بشكل صحيح؟»

أسئلة بسيطة جداً.. لكنها قد تمنع خلافاً كاملاً من أن يبدأ!

فنحن لا نحتاج أن نتفق في كل شيء حتى تكون علاقاتنا صحية، ولا نحتاج أن نفكر بالطريقة نفسها، ولا أن نشعر بالطريقة نفسها.

نحتاج فقط مساحة يستطيع فيها كل منا أن يتحدث دون خوف، وأن يسمع دون دفاع، وأن يحاول أن يفهم قبل أن يحكم.

والآن..

وأنت تقرأ هذه الكلمات، ربما هناك حديث مؤجل مرّ في بالك.

شخص تنتظر أن يفهم شيئًا لم تقله..

شعور تحمله منذ فترة..

اعتذار تأخر..

أو سؤال لم تسأله، واخترت بدلاً منه أن تعيش مع الإجابات التي صنعها عقلك!

ربما حان الوقت أن تقولها.

لكن قبل أن تفعل..

ضع نفسك للحظة في مكان من سيسمعك.

لا تفكر فقط فيما تريد أن تقوله أنت، بل فكر أيضاً كيف يستطيع هو أن يفهمه.

انظر إلى الموقف بعقله، وتجربته، ومنطقه… لا بعقلك ومنطقك أنت فقط.

ثم تكلم.

وحين يأتي دوره.. اسمعه بالطريقة نفسها.

حاول أن تفهم قبل أن تدافع، واسأل قبل أن تفترض، ووضّح قبل أن تبتعد.

فليس المطلوب أن نتفق دائماً… المطلوب ألا نخسر بعضنا.. لأننا لم نفهم بعضنا !

وربما حين نفعل ذلك، سنكتشف أن كثيراً من المشاكل لم تكن تحتاج حلولاً كبيرة، وأن كثيراً من المسافات لم تكن تحتاج كل ذلك الوقت.

كانت تحتاج فقط حديث صادق بين شخصين يعرف أحدهما كيف يتكلم، ويعرف الآخر كيف يستمع.

فالأمر فعلاً… أبسط مما نظن !!

← العودة للمشاركات