ذنب الراحة
التصنيف: مقالات
التاريخ: 16 يوليو 2026
عدد المشاهدات: 1153
← العودة للمشاركات

حين يولد طفل…

لايحمل شهادة، ولا وظيفة، ولا إنجازاً يُذكر.

ومع ذلك…

يُحتفل بقدومه.

وتُلتقط له الصور.

ويفرح الجميع بابتسامته الأولى، وخطوته الأولى، وكلمته الأولى.

لم يكن مطالباً أن يثبت شيئاً.

كان محبوباً…وكان كافياً…

فقط لأنه هو.. !

وكان بدوره يرى أبسط الأشياء عظيمة.

يفرح بلعبة صغيرة، وبنزول المطر، وبألوان السماء، وبقطعة حلوى.

لم يكن يسأل نفسه إن كان يستحق الفرح، أو إن كان قد أنجز ما يكفي ليشعر بالراحة.

ثم كبر…

ولم تتغير قيمته، لكن تغيرت الطريقة التي بدأ ينظر بها إليها.

شيئاً فشيئاً، بدأت الأسئلة تتبدل.

كم حصلت؟

ماذا أنجزت؟

ما خطتك التالية؟

ولم نعد نسمع هذه الأسئلة من الآخرين فقط..

بل بدأنا نرددها لأنفسنا!

ومع مرور الوقت، لم يعد الإنجاز مجرد وسيلة لتحقيق الأحلام، بل أصبح وسيلة لإثبات الذات.

حتى بدأ الإنسان، دون أن يشعر، يربط بين الإنجاز والقيمة…

وبين النجاح والقبول…

وبين الإنتاج والاستحقاق.

ومن هنا، بدأ يتشكل شعور خفي يرافق كثيراً منا.

شعور لا يظهر أثناء العمل، بل حين يتوقفون عنه.

يجلس أحدهم مع أسرته، فيشعر أنه كان يستطيع استغلال هذا الوقت بشكل أفضل!

يأخذ إجازة، لكن ذهنه يبقى معلقاً بما ينتظره بعد عودته!

ينهي عمله، ثم يبحث عن مهمة جديدة!

لا لأنه مضطر…

بل لأنه لا يعرف كيف يتوقف دون أن يشعر بعدم الارتياح.

وللوهلة الأولى، يبدو أن السبب هو كثرة المسؤوليات.

لكن الحقيقة أعمق من ذلك.

فنحن لا نشعر بالذنب لأننا ارتحنا…

بل لأننا، دون أن ننتبه، ربطنا قيمتنا بما نقدمه!

ولهذا، حين ننجز نشعر أننا بخير.

وحين نتوقف، يتسلل إلينا شعور غامض بأننا لم نفعل ما يكفي، أو أننا أصبحنا أقل مما ينبغي.

ولعل المشكلة ليست في الإنجاز نفسه.

فالإنجاز جميل، ويمنح الإنسان معنى وإحساساً بالتقدم.

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الوسيلة الوحيدة التي نقيس بها قيمتنا.

عندها تتحول الراحة من حاجة إنسانية…

إلى شعور بالذنب.

لا لأنها خطأ…

بل لأنها لا تمنحنا الدليل الذي اعتدنا البحث عنه كل يوم…

الدليل على أننا ما زلنا كافين.

ولهذا، يؤجل كثير من الناس راحتهم باستمرار.

بعد هذا المشروع.

بعد هذه الترقية.

بعد أن يكبر الأبناء.

بعد أن تستقر الظروف.

لكن الحياة لا تنتهي من مطالبها.

ولو ربط الإنسان راحته بانتهاء مسؤولياته، لانتظر عمراً كاملاً

والغريب أننا لا نعامل من نحب بهذه القسوة!

إذا رأينا شخص نحبه مرهق، طلبنا منه أن يرتاح.

وإذا وجدناه يحمل فوق طاقته، ذكرناه بأن صحته أهم من أي عمل.

لكننا ننسى أن نقول الشيء نفسه لأنفسنا!

وكأننا نؤمن، في مكان خفي داخلنا، أن علينا أن نستحق الراحة، وأن ندفع ثمنها بالتعب.

مع أن الراحة ليست مكافأة..

وليست ترفاً..

إنها جزء من طبيعتنا البشرية، تماما كما نحتاج إلى النوم، وإلى الصمت، وإلى لحظات نستعيد فيها أنفسنا قبل أن نواصل الطريق.

وربما لهذا…

ليست المشكلة الحقيقية أننا لا نرتاح.

بل أننا صدقنا، دون أن ننتبه، أن قيمتنا تحتاج إلى إثبات مستمر.

لكن تأمل الأمر للحظة…

إذا كان ذلك الطفل، الذي لم يكن يملك شيئا يقدمه، يستحق الحب، والفرح، والاحتفاء…

فمتى أقنعنا أنفسنا أن ما وُلد معنا…

أصبح علينا أن نثبته كل يوم؟

ربما لا تحتاج إلى أن تنجز أكثر فقط…

بقدر ما تحتاج أن تستعيد الحقيقة التي عرفتها يوم كنت طفلاً.

أن قيمتك لا تبدأ عندما تعمل…

ولا تتوقف عندما ترتاح.

فالراحة لا تمنحك قيمتك… إنها تذكرك بها.

← العودة للمشاركات